تُعدّ الأغنية الشعبية الهونية في مدينة هون (وسط ليبيا) إحدى الركائز المهمة للموروث الموسيقي الليبي. فهي تعكس حياة أهل الواحات في منطقة الجفرة، وتُعبّر عن مشاعرهم وتراثهم عبر ألحان وكلمات تناقلتها الأجيال شفاهيًا. اشتهرت مدينة هون منذ قرون بهذه الأغاني الفلكلورية التي صاحبت أفراح الناس وأتراحهم، وأصبحت رمزًا لهوية المدينة الفنية.
في المناسبات الاجتماعية، وخاصة الأعراس، كانت هذه الأغاني المتنفس الذي يعبّر من خلاله العشاق عن أشواقهم والأهالي عن أفراحهم وأحزانهم وسط مجتمع متكاتف. ساهمت هون عبر تراثها الغنائي في إثراء الثقافة الليبية، إذ انتقلت ألحانها وإيقاعاتها إلى مدنٍ أخرى وأصبحت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الفنية الوطنية.
أنواع الأغاني الشعبية في هون
تتنوع الأغاني الشعبية في هون بحسب المناسبة والإيقاع وطريقة الأداء. فيما يلي أبرز الأنماط الغنائية التراثية التي عُرفت بها هون وما جاورها من واحات الجفرة:
أغاني النّخيخة: تعتبر النخيخة من أشهر فنون الغناء في هون والجفرة. تؤدَّى جماعيًا بالاعتماد على قرع الطبل بإيقاع متناغم، حيث يجتمع عادةً 4 إلى 5 من المؤدين يجلسون حول طبلة كبيرة ويضربونها بانسجام. يتميّز هذا اللون الإيقاعي الجماعي بتنوع إيقاعاته وثراء كلماته ومعاني قصائده التي غالبًا ما تكون موحّدة القافية ومشحونة بالعواطف والشجن الرقيق. يُقال إن تسمية “النخيخة” جاءت من حركة الجلوس حول الطبلة بشكل يُشبه أناخة الإبل (بركها) أثناء الأداء.
وتشتهر واحات هون وسوكنة وودان بهذا اللون منذ قرون، حيث حفظت الذاكرة الشعبية قصائد النخيخة وتناقلتها عبر الأجيال. ومن أمثلة أغاني النخيخة أبيات تقول: «سكب سال دمع الميامي حذايف وعقلي مرايف» التي تصوّر لوعة المحب ودموعه. في الصورة أدناه، تؤدي مجموعة من فناني مدينة هون إحدى أغاني النخيخة على الطبلة في مشهد تراثي حي.
النخيخة
أغاني السّواقي: هي لون غنائي آخر تميّزت به منطقة هون، ويؤدَّى بإيقاع أخف مقارنة بالنخيخة. غالبًا ما تُغنّى أغاني السواقي بشكل فردي دون مصاحبة آلات موسيقية، حيث ينفرد المغني بالأداء بينما تردّد المجموعة أو الحضور لازمة (جوقة) مصاحبة للأغنية. يمنح هذا الأسلوب الشعري المغنى فرصة لإبراز جماليات الصوت والكلمات، وتوفير مساحة تفاعل بين المؤدي والجمهور. كثيرًا ما كانت أغاني السواقي تُغنّى في ليالي السمر والأعراس، وتتناول موضوعات الحب والوصف والمديح بأسلوب عفوي جذاب.
أغاني العمل (الجَبادة والرَّحى): إلى جانب أغاني الأفراح، عرفت هون أيضًا ما يسمى بأغاني العمل التي ارتبطت بأنشطة الحياة اليومية القديمة. من ذلك أغاني الجبّادة وهي الأغاني التي كانت تُردد أثناء استخراج الماء من آبار الحقول، حيث ينسجم غناء العمال مع حركة سحب الدلو بالحبال من البئر. وكذلك أغاني الرَّحى المصاحبة لطحن الحبوب بالرحى اليدوية، إذ كانت النساء يرددن أنغامًا إيقاعية رتيبة تخفف عنهن عناء الطحن.
هذه الأغاني العملية تمتاز بإيقاعاتها المتكررة وكلماتها البسيطة التي تشجّع على الصبر والعمل وتمنح شعورًا جماعيًا بالتعاون. حافظ مهرجان الخريف السنوي في هون على إبراز نماذج من أغاني الجبادة والرحى ضمن فقرات افتتاحه تأكيدًا على أصالة هذا الجانب من التراث.
أغاني الأفراح ورقصة الحَز: في أعراس هون التقليدية تتداخل الأهازيج مع الرقصات الشعبية. من أشهر رقصاتها رقصة “الحظ” المعروفة محليًا بـ رقصة الحَز، وهي طقس فني يؤديه أصدقاء العريس في ليلة الزفاف الأولى. يصطف الرجال بزيّهم الشعبي في صفين متقابلين بقيادة أحدهم، ويتحركون من بيت العريس إلى بيت العروس على إيقاع الدفّ والطبل ونغمات آلة المقرونة (المزمار المزدوج). يردّد المشاركون خلال الرقصة أغاني خاصة بها ذات إيقاع حماسي وكلمات مرحة تتغزل بالعروس وجمالها. من أشهر ما يغنّى في رقصة الحز لازمة تقول: «سوحي سوحي… عيونك سود خذن روحي» في وصف عيون العروس السوداء الآسرة.
كلمات الأغاني ومعانيها
كلمات الأغاني الشعبية الهونية هي روح هذا التراث وجوهره. كتب شعراء شعبيون مجهولون في معظمهم هذه الأغاني باللهجة المحلّية، وصاغوها في صور بلاغية معبرة تجمع بين البساطة وعمق المعنى. تدور مضامين الكثير من تلك الأغاني حول الحب والولع ووصف المحبوب ومشاعر الشوق والحنين، مما أكسبها طابعًا عاطفيًا يمسّ وجدان السامعين.
فعلى سبيل المثال، تصور أغنية النخيخة المذكورة آنفًا دموع العاشق الساهرة في الليل على فراق أحبّته. وتمتلئ أغاني هون بصور الطبيعة المحلية مثل النخيل والعيون السود والصحراء، إذ يستعيرها الشعراء كرموز للجمال والصبر والوفاء. ومن جهة أخرى، هناك أغنيات تحكي عن الحياة اليومية ومشاقها، خصوصًا في أغاني العمل. فأغاني الجبادة قد تتضمن دعوات للتفاؤل بنعمة الماء أو شكر الله على خيراته أثناء استخراج الماء من البئر، فيما تعكس أغاني الرحى إيقاع حجر الطحن وقد تتخللها أبيات دعاء وبركة للحصول على طحين وفير.
أشهر مغني الأغنية الهونية
الفنان عمر مسعود
أنجبت مدينة هون عبر تاريخها الحديث عددًا من روّاد الفن الشعبي الذين حملوا لواء الأغنية الهونية وساهموا في نشرها داخل ليبيا وخارجها. من أبرز هؤلاء الفنانين:
عمر مسعود: يُلقّب “عندليب هون” وهو من مواليد هون عام 1934. أسس في مطلع الخمسينيات مع رفاقه أول فرقة موسيقية شعبية في نادي هون الأهلي. قدّم عمر مسعود الأغاني التراثية الهونية بأسلوب حديث دون أن يفقدها روحها الأصلية، وأعاد توزيع بعض ألحانها لتناسب الآلات العصرية مع الحفاظ على الإيقاعات الشعبية. شاركت فرقته في مسابقات وطنية وفازت بالترتيب الأول على مستوى ليبيا سنة 1978، ما أكد جماهيرية فن هون خارج حدود المنطقة. يُعدّ عمر مسعود رمزًا بارزًا للفن الشعبي الجفراوي (نسبة إلى الجفرة) وكرّس حياته للحفاظ على تراث هون الفني والتعريف به.
جمعة عبد الجليل عبد القادر: يُعرف بين أهل هون بلقب “الحاج جمعة”، وهو أحد أعمدة الفن الشعبي الأصيل في منطقة الجفرة. وُلد حوالي عام 1928 وتوفي عام 2013. تميّز عبد الجليل بصوته الشجي وأدائه المتقن لفن المرسكاوي والهوني، حتى لُقّب بـ”ملك المرسكاوي” نظرًا لبراعته في هذا اللون. حفظ الحاج جمعة العديد من قصائد التراث القديمة وغناها في المناسبات والأعراس، وكان مرجعًا يُرجع إليه في صحة الكلمات والألحان. ترك وراءه إرثًا غنيًا من التسجيلات الميدانية والحفلات الشعبية التي لا تزال تتناقل بين محبي الفن الشعبي.
عبد القادر العربي: يُعتبر من أوائل من صدحوا بالأغنية الشعبية في هون في القرن العشرين. تشير الروايات إلى أنه أول فنان من أبناء هون ذاع صيته خارج المنطقة خلال حقبة الأربعينيات والخمسينيات. قدّم عبد القادر العربي الأغاني التراثية في الإذاعات المحلية، وأسهم في التعريف بفن هون في مدن الشمال. كانت أغانيه تُسجّل على أسطوانات شمعية في ذلك الوقت، ويروي القدماء أنه غنى في طرابلس أمام إذاعة ليبيا أغنية من تراث هون لاقت استحسان المستمعين، ما شجّع فنانين آخرين من المدينة على الاحتراف.
فرقة هون للفنون الشعبية: بالإضافة إلى الأسماء الفردية، لا بد من الإشارة إلى الدور الكبير لفرقة هون الشعبية التي تضم مجموعة من المطربين والعازفين الشعبيين. أخذت هذه الفرقة على عاتقها منذ عقود جمع وغناء التراث الغنائي الغزير الذي تتمتع به هون. وقد تنقلت الفرقة في جولات فنية بمختلف المدن الليبية شمالًا وجنوبًا لنشر هذا الفن، كما شاركت في مهرجانات دولية للفلكلور. من خلال أداء جماعي مميز، أعادت الفرقة إحياء أغنيات قديمة عديدة وقدمتها للأجيال الجديدة، وسجّلت بعضها للإذاعة والتلفزيون. كما برز ضمن أفراد الفرقة مطربون موهوبون مثل عبد الجليل عبد القادر الذي أشرنا إليه، وسالم عيسى ومحمد بالروين وغيرهم ممن حملوا مشعل التراث.
دور الأغنية الهونية في الموروث الشعبي والثقافة المحلية
للأغنية الشعبية الهونية دور محوري في صون الهوية الثقافية المحلية وفي إثراء الموروث الشعبي الليبي عمومًا. فهي سجل شعبي شفهي حفظ تاريخ المجتمع وقيمه وعاداته في صيغة فنية محببة. عبر هذه الأغاني، تناقلت الأجيال قصص الحب والعطاء والصبر المرتبطة بحياة الواحة، فتعرّف الأبناء على ما عاشه الأجداد من أفراح ومعاناة. كما عززت الأغاني التضامن الاجتماعي؛ فالغناء الجماعي في الأعراس والعمل خلق شعورًا بالانتماء والوحدة بين أهل هون.
إلى يومنا هذا، لا يزال أهالي هون يفخرون بتراثهم الغنائي ويعتبرونه جزءًا من هويتهم. تقام مهرجانات تراثية سنوية لإحياء هذا الفن، أبرزها مهرجان الخريف السياحي الدولي بهون الذي انطلق منذ أواخر التسعينيات. يهدف هذا المهرجان إلى إبراز الموروث الشعبي للمدينة من موسيقى ورقص وأهازيج وأغانٍ تراثية أمام الجيل الجديد والزوار. في عروض الافتتاح، يحرص المنظمون على تقديم نماذج من فنون هون الشعبية كالنخيخة والسواقي وأغاني الجبادة والرحى، حفاظًا على استمراريتها. وقد نجح المهرجان في جذب اهتمام الشباب وترسيخ حب التراث في نفوسهم، حتى بات الأطفال في هون يتقنون أداء أغاني المرسكاوي والنخيخة بطلاقة.
على المستوى الوطني، ساهمت الأغنية الهونية في إثراء التنوع الموسيقي الليبي. ففن المرسكاوي الشهير في ليبيا اليوم يُعتبر في جوهره امتدادًا لفن هون والجفرة، حيث يؤكد باحثون أن جذور المرسكاوي تعود إلى مدينة هون وجاراتها (سوكنة وودان) منذ قرون، وانتقل منها إلى مرزق في الجنوب ثم إلى بنغازي في الشرق أثناء خمسينيات القرن الماضي. هناك تطور وانتشر على نطاق أوسع، لكنه في الأصل يرتكز على إيقاعات وألحان التراث الهوني. كما أصبحت بعض أغاني هون مرجعًا تُستلهم منه الأغنية الليبية الحديثة؛ إذ أعاد مغنون معاصرون تسجيلها أو تضمين جُمل لحنية منها في أعمالهم تكريمًا لهذا التراث.
إلى جانب الإسهام الفني، تركت الأغنية الشعبية الهونية أثرًا اجتماعيًا وثقافيًا عميقًا. فهي حاضرة في الوجدان اليومي لسكان هون، تُغنّى في المناسبات والأعراس وترددها النساء في أعمالهن المنزلية. هي ذاكرة حيّة تربط أهل المنطقة بجذورهم، وتمنحهم شعورًا بالفخر والاستمرارية.
إن حفاظ الليبيين عمومًا، وأهل هون خصوصًا، على هذا الكنز الفني هو حفاظ على هوية وطنية جامعة قوامها التنوع والتشابك الثقافي. وقد أثبتت التجربة أن الفن الشعبي يمكن أن يكون جسرًا يربط بين أبناء البلد الواحد رغم تباعد المسافات؛ فالأغنية التي ولدت في واحة هون وصلت بأصدائها إلى ساحل طرابلس وجبل بنغازي، تحمل معها عبق الصحراء وحنين النخيل، لتؤكد أن الموروث الشعبي الليبي واحد وإن تعددت ألحانه.