الشاعرة فاطمة عثمان بن الحاج امحمد عثمان، وُلدت في مدينة هون الليبية سنة 1900م، وعاشت في كنف بيئة صحراوية هادئة، قبل أن تعصف بها رياح الاحتلال الإيطالي وتحول مسار حياتها إلى قصة نضال وحزن. لم تكن شاعرة تكتب وتنشر، بل كانت امرأة من عامة الناس، لكن المأساة صنعت منها صوتًا خالدًا في الذاكرة الليبية. قصيدتها الوحيدة “خرابين يا وطن” كانت أول وآخر شعر قالته، لكنها كانت كافية لترسم ملامح وطن جريح، وتحكي عن ليبيا الأرض والإنسان بأبلغ الكلمات. لم يكن الشعر مهنتها، لكنه كان صرختها الأخيرة في وجه الظلم، قصيدة ولدت من الألم وظلت خالدة في وجدان الليبيين عبر الأجيال.
في العقد الثاني من القرن العشرين، اجتاح الاحتلال الإيطالي ليبيا بوحشية، ولم تكن هون بمعزل عن هذه العاصفة. اندلعت معركة عافية الشهيرة عام 1928 قرب هون، وفيها أبدت قبائل المنطقة مقاومة باسلة كبّدت الجيش الإيطالي خسائر فادحة في الأرواح. كانت فاطمة آنذاك في الثامنة والعشرين من عمرها تقريبًا، وقد شهدت قريتها بطولة أبناء وطنها وهم يذودون عن الأرض ضد جحافل الغزو. اشتعل غضب المحتلين إثر هزيمتهم المذلّة في معركة عافية، فقرروا الانتقام بأبشع صورة.
بعد أسبوعين فقط من تلك المعركة، وفي أواخر شهر أكتوبر 1928 حيث كانت عراجين التمر تتدلى ناضجةً من النخيل، اقتحم الجنود الطليان قرية هون بقلوب تملؤها الضغينة. جمع المحتلون الأهالي في ميدان واسع في قلب القرية تحت شمس الخريف الخافتة. نُصبت أعواد المشانق في مشهد مروع لم يألفه أهل هون من قبل. وقف 19 رجلًا من مجاهدي هون في صفوف الموت، بينهم أخو فاطمة وعدد من أقاربها وجيرانها، أسرى في قبضة جيش الاحتلال. كانت التهمة جاهزة: المشاركة في المقاومة ضد الغزاة. وفي حقيقة الأمر، لم يكن ذلك سوى انتقام همجي من أهالي البلدة عقابًا لهم على دفاعهم المستميت عن أرضهم.
اصطف الجنود الإيطاليون ببنادقهم وخوذاتهم اللامعة حول الميدان، وأجبروا بقية السكان على مشاهدة ما سيحدث لعبرة الآخرين. وقفت فاطمة في رواق بيتها المطلّ على الساحة، تحبس أنفاسها والدم يغلي في عروقها. شاهدت الجنود يقودون الرجال التسعة عشر إلى أحبال المشانق ووجوههم شامخة رغم الأسر. تعلقت عينا فاطمة بأخيها وهو يُدفع نحو حبل المشنقة، وكأنها تحاول حفظ ملامحه الأخيرة في ذاكرتها إلى الأبد. دوّى الأمر العسكري، وساد صمت رهيب على الجمع؛ لحظات ثقيلة مرّت كأنها الدهر، قبل أن يُسحب الكرسى من تحت أقدام أول فارس من فرسان البلدة. تلاه الثاني والثالث… حتى ارتفعت أجساد التسعة عشر شهيدًا تتأرجح في الهواء. صرخت بعض النسوة، وعمّ النحيب، بينما ثبتت فاطمة في مكانها مذهولة، والدموع الحارقة تتجمع في مقلتيها دون أن تجرؤ على الانهمار. رأت رجالًا كانوا بالأمس يملؤون الحقول حركةً وحياة، قد صاروا أجسادًا معلقة تتدلى بلا حراك، كعراجين بلح يابسة على نخيل عالٍ. لم تترك قوات الاحتلال لأهل هون حتى فرصة مواراة الشهداء الثرى بكرامة؛ بل تركت الجثامين معلقة عبرةً لمن يفكر في التمرد. يومها شعرت فاطمة أن وطنها قد خرّ صريعًا أمام عينيها، وأن الحياة التي عرفتها قد انهارت إلى غير رجعة.
لم يكتفِ المحتلون بذلك المشهد المروّع، بل أتبَعوه بعقاب جماعي آخر. أصدر الحاكم العسكري أمرًا فوريًا بتهجير جميع سكان هون المتبقين إلى الشمال الليبي. خلال أيام قليلة، سيق الرجال والنساء والأطفال في قوافل طويلة عبر الصحراء نحو مصير مجهول، وخلت البلدة من أهلها تمامًا. أُحرقت بعض البيوت وسويت بالأرض، وتحولت هون المزدهرة بكرومها ونخيلها إلى قرية أشباح مهجورة لأكثر من عامين. لقد أراد الطليان أن يجعلوا من هون عبرة قاسية لكل من يتجرأ على مقاومة سلطانهم. وهكذا وجدت فاطمة نفسها بلا أهل ولا أقارب حولها؛ فقد قُتل الأحبة أمام ناظريها، وشُرد الباقون في المنافي القسرية. حقًا لقد أصبح الوطن “خرابين”؛ خرابان اثنان في آن واحد: الأول فقدان خيرة أبنائه شنقًا، والثاني تشريد من تبقى من أهله بعيدًا عن ديارهم.
وسط هذه المأساة التي فطرت قلبها، تفجرت قريحة فاطمة عثمان بشيء لم يكن في الحسبان. فبينما كانت الدماء لا تزال حارة على حبال المشانق، وبينما غبار رحيل أهل هون لم يهدأ بعد، وجدت تلك الشابة الثكلى صوتها يتحول إلى مرثية مزلزلة تصرخ في وجه الظلم. وقفت فاطمة في شرفة منزلها الذي خلا من أهله، ونظرت إلى ساحة الإعدام حيث الجثامين ما زالت تتأرجح، فانسابت من شفتيها أبيات باللهجة العامية الليبية، لكنّها تحمل صدقًا وألمًا عميقين هزا كل من سمعهما. في تلك اللحظة ولدت قصيدتها الوحيدة، قصيدة بحجم النكبة التي حلّت بوطنها الصغير. لم تكن فاطمة شاعرة معروفة من قبل، لكن الصدمة واللوعة أخرجتا من أعماقها كلمات صادقة تقطر حزنًا وحنقًا. حملت القصيدة عنوان “خرابين يا وطن” في إشارة إلى حال الوطن الذي أضحى خرابًا فوق خراب. سرعان ما انتشرت أبيات فاطمة على ألسنة من بقي من أهل هون والمناطق المجاورة، وحُفظت في ذاكرة التاريخ الليبي كوثيقة شعرية نادرة خطّتها امرأة ليبية من قلب المحنة.
فيما يلي نص قصيدة “خرابين يا وطن” التي نظمتها فاطمة عثمان الهونية عام 1928، وهي قصيدة عامية تصف مآسي ذلك اليوم العصيب وتصوّر حال الوطن وأهله تحت نير الاحتلال الإيطالي:
تبدأ القصيدة بمخاطبة الوطن الجريح بنداء “يا وطن” وتصف حاله بأنه خراب فوق خراب، بلا والي يحكمه أو أهل يحمونه. تصوّر فاطمة مشهد الرجال المعلقين على المشانق فتقول إن من لم يفرّ من بطش المحتل لقي حتفه على حبل المشنقة. تصرخ بأن الذلّ قد ركِب الوطن، وأن الأحباب باتوا يتأرجحون كالعرجون المُدلى من رأس النخلة العالية. وتتابع في أبياتها المعدودة رسم صورة قاتمة: فلا ضوء ولا أمل يلوح، الناس إما مشنوقون أو مشرّدون، والحزن مخيّم على كل شبر. تنهمر دموعها وهي تودّع أحبّتها “يا دمع العيون تذرف سوايل” وتصف رؤيتها لرفات الشهداء تتدلى من “رقاق الحبالي” (أي حبال المشانق الرقيقة) فداءً للوطن الغالي. وتلعن دولة العدوان التي وصفتها بأنها “همّ الكفر” في إدانة صريحة لوحشية المستعمر.
رغم الأسى العميق، لم تخْلُ القصيدة من بصيص أمل ممزوج بالثورة. نسمع فاطمة تنادي ربها بحرقة أن يجيب دعاءها ويعيد “الغوالي” (أي الأحبة) في يوم مبروك تُزال فيه الغمّة عن وطنها. ثم تستنهض مشايخ البلاد وأهلها الشجعان: تدعوهم إلى يوم حامي الوطيس يكيل للمحتل الغاشم نفس الكأس، يومٍ عاصفٍ تهبّ فيه رياح النصر كعجاجةٍ كبرى، وتمطر فيه رعود البنادق كالمطر، فتسقط رؤوس الكفر وتتطاير تحت نعال الأحرار. تختم قصيدتها القوية بتمنيها أن يأتي ذلك اليوم الذي فيه “نزهى ويطمَن بالي” – أي تزهو فيه وتقرّ عينها بانتصار الوطن – لكن الواقع المرير يعود في آخر الأبيات؛ إذ تعود لتصف الوطن بأنه بلا عائلة ولا سند، كثيرٌ هم شهداؤه، ولم يبقَ لها من تبثّه شكواها. فتعلن أن جوفها بات كالفتيلة المحترقة تساهر الليالي حزنًا، ولا تجد تكاتها وسلواها إلا بالتوكل على الله.
انتشرت قصيدة “خرابين يا وطن” شفاهيًا في كل أنحاء المنطقة، وصارت فاطمة عثمان الهونية رمزًا للصمود والألم في آنٍ واحد. لقد وثّقت بكلماتها البسيطة إحدى أفظع جرائم الاحتلال الإيطالي في ليبيا، لترسخ في ذاكرة الوطن أن دماء الشهداء لن تُنسى. وعاشت فاطمة بعد ذلك عقودًا طويلة، شاهدةً على استقلال ليبيا وزوال عهد الاستعمار. ورغم أنها لم تكتب غير هذه القصيدة المؤثرة، إلا أنها كانت كافية لتخلّد اسمها في سجل التاريخ الأدبي والنضالي. توفيت فاطمة بنت عثمان في 15 نوفمبر عام 2007 عن عمر ناهز 107 أعوام، بعد أن رأت بأم عينها وطنها يتحرر ويضمد جراحه. وظلت قصيدتها الوحيدة تُروى عبر الأجيال، يستحضرها الليبيون كلما أرادوا التذكير ببطولات الأجداد ومآسي الاحتلال.
هكذا كانت حكاية فاطمة الهونية، الشاعرة التي حولت حزنها إلى قصيدة خالدة، تصدح عبر الزمن لتذكرنا بثمن الحرية الغالي وبصلابة امرأة ليبية وقفت في وجه اليأس لترثي وطنها وتحيي فيه روح المقاومة.