عمر مسعود (1934–2011) فنان ومطرب وملحن ليبي من مدينة هون في منطقة الجفرة بوسط ليبيا. يُعدّ أحد روّاد الأغنية الليبية والموسيقى في المنطقة الوسطى والجنوب الليبي، حيث ترك بصمة واضحة في الحفاظ على التراث الغنائي الشعبي وتطويره. على الرغم من موهبته الفذة، لم يحظَ بشهرة واسعة على مستوى عموم ليبيا بسبب ابتعاده النسبي عن الأضواء ووسائل الإعلام طوال مسيرته. فيما يلي سرد تفصيلي لسيرة حياته ومسيرته الفنية، يغطي نشأته وبداياته ودوره في المشهد الفني الليبي وأبرز أعماله وتأثيره وتكريماته.
وُلد عمر مسعود سنة 1934 في بلدة هون بمنطقة الواحات وسط ليبيا. نشأ في كنف عائلة ليبية تقليدية تأثّر فيها بالأجواء التراثية المحيطة به منذ الصغر؛ فكانت والدته تؤدي الأهازيج والأغاني الشعبية أثناء قيامها بأعمال المنزل كطحن الحبوب بالرحى في الصباح، وهو ما ترك في نفسه أثراً عميقاً ورسّخ حبه للموروث الغنائي المحلي. كما تأثر والده – الذي امتهن عدة حرف موسمية كالزراعة وحراسة مزارع النخيل والإسكافية – بالكثير من الأمثال والأهازيج الشعبية، وقد نهل عمر من والده هذه الحكم والأغاني التراثية التي شكّلت جانباً من وعيه المبكر.
نشأ عمر في بيئة غنية بالتنوع الثقافي والديني؛ فقد حفظ القرآن الكريم في الكتّاب في سن صغيرة، وتعرّف مبكرًا على الأجواء الصوفية المنتشرة في بلدة هون. كان والده شيخًا في الطريقة الصوفية العروسية، فاصطحبه إلى الزوايا حيث استمع للأذكار والمدائح والأوراد الصوفية بمصاحبة الألحان الروحانية. هذا الانغماس في الأجواء الصوفية أضفى على روحه مسحة روحية ظهرت لاحقًا في أدائه الغنائي.
إلى جانب ذلك، استمع أيضًا في صغره إلى الأغاني الشعبية الليبية التي كانت سائدة في محيطه، ما أكسبه مزيجًا ثريًا من النغمات الفلكلورية. كذلك ساعدت الظروف الاستثنائية في هون إبّان الاستعمار الإيطالي على انفتاحه موسيقيًا، إذ كانت البلدة حاضرة للمنطقة وتتواجد بها مظاهر حداثية مثل المقهى وجهاز الراديو والجرامافون. أتيحت لعمر فرصة نادرة لسماع الأسطوانات الموسيقية القادمة مع الإيطاليين، فتعرّف من خلالها على أنماط غناء جديدة كالأغاني التونسية والمصرية (مثل أغاني محمد عبد الوهاب). هذا الانفتاح المبكر على موسيقى متنوعة شكّل عاملًا مهمًا في توسيع مداركه الفنية منذ الطفولة.
بعد إكماله التعليم الأساسي، التحق عمر مسعود بالمدرسة الابتدائية لأول مرة عام 1946، ثم واصل دراسته النظامية خارج بلدته. سافر إلى طرابلس والتحق بمعهد المعلّمين بين عامي 1953 و1955، ليتخرج معلّمًا. مارس مهنة التدريس في منطقة وادي الشاطئ (جنوب ليبيا) ابتداءً من عام 1956، وبذلك أسهم في نشر المعرفة في مجتمع الواحات الذي ينتمي إليه.
خلال فترة عمله بالتدريس، ظلّ شغفه بالموسيقى حيًا في داخله، فاقتنى أول آلة عود خاصة به سنة 1960. سعى لتنمية مهاراته الموسيقية فتتلمذ على يد عازفي عود مرموقين مثل الفنان علي قدور والفنان هاشم الهوني، اللذين ساعداه على إتقان العزف وصقل موهبته الغنائية. وبفضل هذا التدريب المكثف، استطاع مسعود إقامة أول حفل فني ساهر له عام 1963 في هون، معلنًا بذلك انطلاق مسيرته الفنية أمام الجمهور.
في مطلع الخمسينيات، بدأ عمر مسعود خطواته الأولى في عالم الفن من خلال تأسيس فرقة موسيقية محلية في نادي هون الأهلي مع عدد من رفاقه الشغوفين بالموسيقى. جاءت هذه الفرقة بشكل عفوي لتعزف وتغني في المناسبات الاجتماعية والمحلية، وأسهمت في إبراز موهبة مسعود الغنائية مبكرًا لجمهور مدينته. اتسمت بداياته الفنية بالجمع بين ما ورثه من التراث الشعبي في بيئته المحلية وبين ما تعلمه من أصول الموسيقى العربية؛ فكان يغني الألحان التراثية التي سمعها في صغره ويطوّرها بإضافة لمسات موسيقية حديثة تأثر بها خلال دراسته واطلاعه. هذا التمازج بين القديم والحديث أكسب أعماله نكهة خاصة وجعل صوته ينتشر في محيط بلدته وما جاورها من مناطق. وقد اشتهر في تلك الفترة المبكرة بلقب “عندليب هون” نظرًا لعذوبة صوته وتمكنه من المقامات.
رغم أن عمر مسعود لم يظهر كثيرًا عبر شاشات التلفزيون أو الإذاعات المركزية، إلا أنه مثّل ركيزة أساسية للمشهد الفني في منطقة فزّان (الجنوب الليبي) ووسط البلاد. يعتبره كثير من المهتمين بالتاريخ الفني رائدًا للفن الموسيقي والغنائي في منطقتي الوسط والجنوب الليبي، حيث كان من أوائل من قدموا الأغنية الليبية بشكل حديث في تلك الربوع بعيدًا عن مراكز الفن في مدن الشمال.
لقد استطاع من خلال نشاطه الفني المستمر أن يحافظ على استمرارية التراث الغنائي المحلي وينقله إلى الأجيال اللاحقة بصيغة متجددة. حمل على عاتقه مهمة توثيق ألوان الغناء الشعبي في منطقته، مثل أنماط النخيخة والسواقي والزحلالي والموقف، وأدمجها في أعماله، مما رسّخ مفهوم الأصالة التراثية في أغانيه. هذا الدور كان حيويًا في وقت لم تكن وسائل الإعلام تغطي فيه نشاط الفنانيّن خارج نطاق العاصمة، فمثّل عمر مسعود صوتًا أصيلًا يعبر عن ثقافة الجنوب الليبي ويحفظها من الاندثار.
لقد كان لفناننا الكبير حضور وتأثير حتى وإن كان بعيدًا عن الأضواء الرسمية. فقد وصفه المؤرخون الفنيون بأنه “فنان غير عادي” استطاع أن يشق طريقه بطريقته الخاصة. وبسبب ابتعاده عن أجهزة الإعلام لسنوات طويلة، ظل اسمه معروفًا في نطاق الدوائر الثقافية ومحبي الفن الليبي أكثر من انتشاره جماهيريًا على مستوى البلاد. ومع ذلك، فإن كل من عايش الحركة الفنية في الجنوب يدرك حجم إسهاماته؛ فقد كان رمزًا فنيًا للمنطقة وملهِمًا للعديد من المواهب الشابة التي جاءت من بعده.
أسهم عمر مسعود خلال مسيرته الطويلة في إثراء مكتبة الأغنية الليبية بعشرات الأعمال المميزة. فقد ألّف كلمات عشرات الأغاني وقصائد الفصحى ووضع ألحانها بنفسه، ويُقدر عددها الإجمالي بأكثر من مائة عمل غنائي. تنوعت موضوعات أغانيه تنوعًا ملحوظًا، حيث شملت أغانٍ عاطفية تعبّر عن الحب والمشاعر، وأغانٍ وطنية تحث على الانتماء وتغني للوطن، بالإضافة إلى أغانٍ تصف سحر الطبيعة وجمالها مستوحاة من بيئة الواحات، وكذلك أغانٍ موجهة للأطفال وأناشيد تربوية، وحتى أغانٍ دينية وصوفية متأثرة بالأجواء الروحانية التي نشأ فيها.
لم يقتصر إبداع عمر مسعود على مجال الغناء فحسب، بل امتد أيضًا إلى مجالات فنية أخرى كالشعر والمسرح. فإلى جانب كونه مطربًا ومؤلف أغاني، كتب قصائد بالفصحى واللهجة المحلّية وأدى بعضها كأغانٍ أو أناشيد. كما كانت له مساهمات بارزة في المسرح الغنائي والأوبريت في ليبيا؛ حيث كتب وأخرج عددًا من المسرحيات والأوبرتيات التي تمزج بين التمثيل والغناء. من أشهر أعماله المسرحية المبكرة مسرحية “رَبِّي قياد العفاريت” التي قدمها على خشبة المسرح في هون سنة 1961، حيث تولّى تأليفها وإخراجها بنفسه.
على صعيد الأداء الموسيقي، كوّن مسعود منذ شبابه فرقته الموسيقية الخاصة في هون والتي رافقته في أداء أغانيه في المهرجانات والاحتفالات المحلية. تميزت الفرقة بأسلوبها الذي يجمع بين الآلات الشعبية كالطبل والمزمار وآلة العود التي يعزف عليها عمر، مما أعطى للأغاني نكهة محلية أصيلة. وقد لاقت بعض أغانيه شهرة ضمن نطاق الجنوب الليبي، مثل أغنيته عن النخيل في مدينة هون والتي يقول في مطلعها: «ياقوت أولادي ياذخر أجدادي»، حيث أصبحت هذه الأغنية أشبه بالنشيد غير الرسمي للمدينة يتغنى بها أهل هون اعتزازًا بتراثهم.
ترك عمر مسعود أثرًا عميقًا على الساحة الفنية الليبية، وخاصة في مجال الأغنية التقليدية والموسيقى التراثية. فهو ينتمي إلى جيل الروّاد الذين عملوا على تطوير الأغنية الليبية خارج المراكز الحضرية الكبرى، واستطاعوا إيصال صوت المناطق النائية إلى المشهد الثقافي العام. من خلال أغانيه وألحانه، حفظ العديد من النصوص التراثية والأهازيج القديمة من الاندثار، حيث أعاد تقديمها بشكل عصري يجذب الأجيال الشابة دون أن يفقدها أصالتها.
وقد تتلمذ على يديه أو استفاد من تجربته العديدُ من فناني الجنوب اللاحقين؛ فكان بمثابة مدرسة فنية متنقلة ينهل منها كل من رافقه أو استمع إليه. ومن مظاهر هذا التأثير أنه حتى بعد رحيله، لا تزال أغانيه تُؤدّى في المناسبات المحلية، ويتغنى بها الفنانون الشباب في هون ومدن فزّان كتعبير عن الامتنان لمسيرته. فعلى سبيل المثال، شارك عدد من مطربي مدينة هون في إعادة أداء أغانيه ضمن مشروع توثيقي تكريمي، منهم الفنانون عبد القادر الدبري وسعد حمودة ويحيى دراويل وعبد القادر فرحات، وقدّموا تلك الأغاني بأصواتهم وفاءً وإجلالًا له.
رغم أن مسعود بدأ مسيرته منذ مطلع الستينيات، إلا أن إنتاجه الفني ظل في معظمه متداولًا بشكل شفهي أو عبر التسجيلات الخاصة والمحلية، دون حضور في وسائل الإعلام الوطنية. فلم يحظ أي من أعماله ببث تلفزيوني رسمي خلال حياته، ولم يظهر هو نفسه على شاشات التلفزيون كغيره من الفنانين. ربما حدّ ذلك من انتشار اسمه على نطاق أوسع، لكنه في الوقت ذاته وطّد مكانته محليًا كفنان الشعب في منطقته.
حظي عمر مسعود ببعض صور التكريم والتقدير خلال حياته وبعد رحيله، تقديرًا لعطائه الفني الطويل. فعلى الصعيد الرسمي، شارك في مسابقة فنية وطنية عام 1978 هي مسابقة “النشاط المتكامل” ممثّلًا لفرقته الموسيقية في هون، وتمكنت الفرقة تحت قيادته من الفوز بالترتيب الأول على مستوى ليبيا في تلك المسابقة. شكل هذا الفوز إنجازًا بارزًا في مسيرته، إذ أثبت قدرة الفن القادم من الواحات على المنافسة والتفوق في المحافل الوطنية.
كما دُعي مسعود في مناسبات فنية وثقافية داخل ليبيا للمشاركة والتكريم بوصفه أحد رواد الأغنية الليبية؛ فمثلاً تمت دعوته في إحدى دورات مهرجان الخريف السياحي الدولي بمدينة هون لتقديم درع تكريمي لشخصية أدبية مكرّمة، في إشارة إلى مكانته كضيف شرف مرموق يمثل الوجه الفني لمدينته. وعلى المستوى المحلي في هون والجفرة، نال تكريمًا شعبيًا عفويًا من جمهوره الذي ظل يعتبره رمزًا فنّيًا؛ فكثيرًا ما يُذكر اسمه مقرونًا بالتبجيل في الأمسيات الشعرية والمناسبات الاجتماعية تقديرًا لعطائه.
بعد وفاة عمر مسعود عام 2011، استمر التكريم ولكن بأشكال مختلفة تمثلت في الحفاظ على إرثه وتخليد ذكراه. ففي سنة 2020 أُنتج فيلم وثائقي بعنوان “عندليب هون” من إخراج مصطفى عبداللطيف، تناول السيرة الشخصية والمشوار الإبداعي للفنان الراحل. يُعد هذا الفيلم أول محاولة توثيق مرئي لمسيرة عمر مسعود، وقد استغرق إعداده عامًا كاملًا وشارك فيه عارفون بتفاصيل حياته وفنه من مختلف المدن. كما صدر في عام 2022 كتابٌ حول سيرته بعنوان «عمر مسعود: سيرة فنان» من تأليف الشاعر والكاتب عبدالله زاقوب، والذي جمع فيه خلاصة تجربته الإبداعية ورؤى وشهادات من عاصروه. نوقش هذا الكتاب في ندوة أدبية نظمّتها الجمعية الليبية للآداب والفنون تكريمًا لذكراه، حيث أُقيمت حلقة نقاش وحفل توقيع بحضور عدد من الكتّاب والفنانين. مثل هذه المبادرات تُبرز التقدير المتأخر الذي حظي به عمر مسعود من المؤسسات الثقافية في ليبيا، وتعكس الرغبة في إنصاف رموز الفن الذين لم ينالوا حقهم من الانتشار في حياتهم.
اتسمت شخصية عمر مسعود بالتواضع والبساطة، وظل طوال حياته قريبًا من مجتمعه المحلي ومعبّرًا عن همومه وأفراحه من خلال فنه. جمع بين كونه مربّيًا ومعلمًا للأجيال في المدرسة وبين كونه فنانًا شغوفًا بالفن، فلم يتخلى عن مهنته التعليمية حتى وهو يمارس نشاطه الغنائي. هذه الخلفية التعليمية أكسبته ثقافة واسعة وانضباطًا انعكس على أغانيه التي حملت رسائل اجتماعية وتربوية في كثير من الأحيان.
عرف عنه أيضًا عشقه الشديد لمدينة هون وتراثها؛ فكان يعتبر واحة هون مصدر إلهامه الأول، وظل مقيمًا فيها أغلب سنوات عمره رغم إتاحة الفرصة له للعمل في مراكز أكبر، مفضلًا خدمة مجتمعه المحلي فنيًا وتربويًا. وقد أكسبته هذه الخيارات احترام أهالي المنطقة الذين رأوا فيه مثالًا للتفاني وحب الأرض.
رحل عمر مسعود عن الدنيا في عام 2011 تاركًا وراءه إرثًا فنيًا وإنسانيًا غنيًا. وبرحيله فقدت الساحة الغنائية الليبية “عندليبًا” من أعذب أصواتها وأصدقها تعبيرًا عن وجدان الناس البسطاء. إلا أن صوته ما يزال حيًا بين محبي فنه، تردده الأجيال الجديدة التي تحفظ أغانيه عن ظهر قلب. وتبقى سيرة عمر مسعود مثالًا على الفنان الملتزم بقضايا بيئته وهويته، الذي استطاع بصوته العذب وموهبته المتعددة الجوانب أن يجمع بين الحياة والموسيقى في تناغم قلّ نظيره. وهذه السيرة هي شهادة على أن الإبداع يمكن أن يزهر حتى في أبعد الواحات، وأنّ من يعمل بإخلاص سيظل اسمه خالدًا.